عبد الملك الثعالبي النيسابوري
6
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعد أو الوعيد أو الإعذار ، خلاف كتابك في الشوق أو التهنئة أو اقتضاء المواصلة ، وخطابك إذا حذّرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنّيت ، فأما الهجو فأبلغه ما جرى مجرى التهكم والتهافت وما اعترض بين التعريض والتصريح ، وما قربت معانيه ، وسهل حفظه ، وسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس ، فأما القذف والإفحاش فسباب محض وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن وتصحيح النظم . فصل آخر منه وكانت العرب ومن تبعها من سلف هذه الأمة تجري على عادة في تفخيم اللفظ وجزالة المنطق لم تألف غيره ولا عرفت تشبيها سواه ، وكان الشعر أحد أقسام منطقها ، ومن حقه أن يخص بتهذيب ويفرد بزيادة عناية ، فإذا اجتمعت تلك العادة والطبيعة وانضاف إليها العمل والصنعة خرج كما تراه فخما جزلا وقويا متينا ، وقد كان القوم أيضا يختلفون في ذلك وتتباين فيه أحوالهم فيرق شعر الرجل ويصلب شعر الآخر ، ويدمث « 1 » منطق هذا ويتوعر منطق غيره . وإنما ذلك بحسب اختلاف الطباع وتركيب الخلق . فإن سلاسة اللفظ تتبع سلاسة الطبع ، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة ، وأنت تجد ذلك ظاهرا في أهل عصرك وأبناء زمانك وترى الجافي الجلف منهم كرّ الألفاظ « 2 » جهم الكلام « 3 » وعر الخطاب ، حتى إنك ربما وجدت الغضاضة « 4 » في صوته ونغمته وفي حديثه ولهجته ، ومن شأن البداوة أن تظهر بعض ذلك ، ومن أجله قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « من بدا جفا » .
--> ( 1 ) الدمث : اللّين السهل . ( 2 ) كزّ الألفاظ : جافي الألفاظ وقبيحها . ( 3 ) جهم الكلام : كريهه ومستثقله . ( 4 ) الغضاضة : الذلّة والمنقصة .